ابن الجوزي
294
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( وإن كنتم على سفر ) إنما خص السفر ، لأن الأغلب عدم الكاتب ، والشاهد فيه ، ومقصود الكلام : إذ عدمتم التوثق بالكتاب ، والاشهاد ، فخذوا الرهن . قوله [ تعالى ] : ( فرهان ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعبد الوارث ( فرهن ) بضم الراء والهاء من غير ألف ، وأسكن الهاء عبد الوارث وجماعة . وقرأ نافع ، وعاصم وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ( فرهان ) بكسر الراء ، وفتح الهاء ، وإثبات الألف . قال ابن قتيبة : من قرأ ( فرهان ) أراد : جمع رهن ، ومن قرأ ( فرهن ) أراد : جمع رهان ، فكأنه جمع الجمع . وقوله [ تعالى ] : ( مقبوضة ) يدل على أن من شرط لزوم الرهن القبض ، وقبض الرهن أخذه من راهنه منقولا ، فإن كان مما لا ينقل ، كالدور والأرضين ، فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه قوله [ تعالى ] : ( فإن أمن بعضكم بعضا ) أي : فإن وثق رب الدين بأمانة الغريم ، فدفع ماله بغير كتاب ولا شهود ولا رهن ، ( فليؤد الذي اؤتمن ) وهو المدين ( أمانته وليتق الله ربه ) أن يخون من ائتمنه . وقوله [ تعالى ] : ( فإنه آثم قلبه ) قال السدي عن أشياخه : فإنه فاجر قلبه . قال القاضي أبو يعلى : إنما أضاف الإثم إلى القلب ، لأن المآثم تتعلق بعقد القلب ، وكتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أدائها . لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيفغر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير ( 284 ) قوله [ تعالى ] : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) أما إبداء ما في النفس ، فإنه العمل بما أضمره العبد ، أو النطق ، وهذا مما يحاسب عليه العبد ، ويؤاخذ به ، وأما ما يخفيه في نفسه ، فاختلف العلماء في المراد بالمخفي في هذه الآية على قولين : أحدهما : أنه عام في جميع المخفيات ، وهو قول الأكثرين . واختلفوا : هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذة أم منسوخ ؟ على قولين : أحدهما : أنه منسوخ بقوله [ تعالى ] : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) هذا قول ابن مسعود ، وأبي هريرة ، وابن عباس في رواية ، والحسن ، والشعبي ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وعطاء الخراساني ، والسدي ، وابن زيد ، ومقاتل . والثاني : أنه ثابت في المؤاخذة على العموم ، فيؤاخذ به من يشاء ، ويغفره لمن يشاء ، وهذا